سيد قطب

110

في ظلال القرآن

في القطاعات التي مضت من هذه السورة كان الجدل مع أهل الكتاب ، دائرا كله حول سيرة بني إسرائيل ، ومواقفهم من أنبيائهم وشرائعهم ، ومن مواثيقهم وعهودهم ، ابتداء من عهد موسى - عليه السلام - إلى عهد محمد - صلى اللّه عليه وسلم - أكثره عن اليهود ، وأقله عن النصارى ، مع إشارات إلى المشركين ، عند السمات التي يلتقون فيها مع أهل الكتاب ، أو يلتقي معهم فيها أهل الكتاب . فالآن يرجع السياق إلى مرحلة تاريخية أسبق من عهد موسى . . يرجع إلى إبراهيم . . وقصة إبراهيم - على النحو الذي تساق به في موضعها هذا - تؤدي دورها في السياق ، كما أنها تؤدي دورا هاما فيما شجر بين اليهود والجماعة المسلمة في المدينة من نزاع حاد متشعب الأطراف . إن أهل الكتاب ليرجعون بأصولهم إلى إبراهيم عن طريق إسحاق - عليهما السلام - ويعتزون بنسبتهم إليه ، وبوعد اللّه له ولذريته بالنمو والبركة ، وعهده معه ومع ذريته من بعده . ومن ثم يحتكرون لأنفسهم الهدى والقوامة على الدين ، كما يحتكرون لأنفسهم الجنة أيا كان ما يعملون ! وإن قريشا لترجع بأصولها كذلك إلى إبراهيم عن طريق إسماعيل - عليهما السلام - وتعتز بنسبتها إليه ؛ وتستمد منها القوامة على البيت ، وعمارة المسجد الحرام ؛ وتستمد كذلك سلطانها الديني على العرب ، وفضلها